الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

136

نفحات الولاية

وقد اختلفت أقوال الشرّاح في المراد بهذه الفتنة ، فقد ذهب البعض إلى أنّ المراد بها وقعة الجمل ، حيث أصابت فيه الحيرة السذج من الأفراد وحتى من لم يكن يمتلك الإيمان والعلم العادي ، في أنّه هل يجوز قتال فئة تنتحل الإسلام ظاهرا وهي من أهل القبلة ؟ كيف وفيها بعض كبار الصحابة كطلحة والزبير ، وكذلك زوج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عائشة ، وناهيك عما سبق فإذا تمت الحجة ونشبت الحرب ، فهل يمكن السيطرة على أموالهم كغنائم ؟ وكيف سيعامل أسراهم ؟ إلّاأنّ الإمام عليه السلام كان يعلم بأنّ هذا النقض للعهود والمواثيق ، وشق عصا الامّة وتمزيق وحدتها ، إذا استمر فانّ الفتنة ستعم كافة البلاد الإسلامية حتى لا يبقى من الإسلام إلّا اسمه ، ومن القرآن إلّارسمه وستطمس معالم الدين . فبذل الإمام عليه السلام بادىء الأمر قصارى جهده من أجل اتمام الحجة محذرا الطرف المقابل من العواقب الوخيمة وذلك من خلال الكتب والرسل التي كان يبعث بها إليهم ، فلما لم يستجيبوا ، لم يكن أمام الإمام عليه السلام من سبيل إلا القتال ، ومن هنا واجههم الإمام عليه السلام بتلك الشدة والصرامة حتى أخمد فتنة الجمل ، بينهما ذهب البعض الآخر إلى أنّ المراد بها فتنة الخوارج من النهروان لأن ظاهر الخوارج كان يتصف بنوع من الصلاح والقدسية ، رغم انحرافهم الباطني وحماقتهم وجهلهم بالتعاليم الإسلامية ، بينما كانوا يولون عناية فائقة لأدنى المستحبات والمندوبات ، ولذلك تردد الكثير من السذج في قتالهم ، بينما نهض الإمام عليه السلام بالأمر ليواجه هذه الفتنة ويفقأ عينها ، كما ذهب بعض الشرّاح إلى أنّ المراد بها الفتنة بمفهومها العام ، حيث يعتقدون أنّ هذه الفتن قد بدأت على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في موقعة بدر واستمرت في سائر الغزوات ، ثم استفحلت وتفاقم خطرها بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، ثم امتدت لتشتد في زمان عثمان ، فلما قتل وبايع الناس الإمام عليه السلام تجذرت هذه الفتنة لتتخذ أشكالًا أخرى ، ليواجهها الإمام عليه السلام بالسيف أحياناً ، وبالصبر والتحمل والتحذير والنذير أحياناً أخرى ولكن يبدو تفسيرها بالجمل أنسب من غيره أمّا التعبير : « عين الفتنة » فيفيد أنّ الإمام عليه السلام قد شبه الفتنة بشبح وحشي كاسر ، وإذا فقأت عينه سلبت قدرته وحيويته ، كما تشير إلى أنّ الإمام عليه السلام كان يتجه في مجابهته للفتنة إلى مراكزها الأصلية ورموزها الأساس ،